مقالات و تدوينات

في ظلال الرحمة (ج1)

في ظلال الرحمة (ج1)

الشيخ عمر القزابري

2015-05-09

إن نبينا صلى الله عليه وسلم عندما عرض علينا أسماءه ومنها نبي الرحمة، لم يكن يريد التعريف فقط، ولكنه كان يريد لفت الانتباه إلى هذا الاسم المبارك، بقصد ترسيخ معناه، حتى يكون كل منتسب إلى نبي الرحمة رحمة تمشي على الأرض، كلنا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودليل المحبة الأنصع ومسلكها الأمتع: الاقتداء والاتباع..

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلی آله وصحبه أجمعين. أحبابي الكرام: لا شيء يمكن أن يلم شعث الأمة، وييسر لها أسباب كشف الغمة أكثر من رحمة تكون بمثابة الغطاء والوطاء، رحمة تنطلق من قلب إلى قلب، رحمة تترجم عنها الأفعال، قبل أن تنثرها الأقوال، إن الرحمة هي تلكم الوصلة السحرية، التي تذلل الصعاب، وتختصر المسافات، وتخلص العلاقات من أغلال المصلحة الجافة، الرحمة هي ذلكم الرباط الذي يحول جذب القلوب وقحط النفوس إلى واحات من الحب المتدفق، والعطاء المتحقق..

الرحمة هي السياج المنيع الذي يحول بين الناس وبين التصدع، هي ذلكم المصل الذي يحمي الناس من جراثيم العداوات، ولوثات الخصومات، هي المعراج الذي يعرجون به إلى آفاق الأخوة التي تنصهر فيها المشاعر، وتلتحم فيها الأحاسيس، فينسكب في الأرواح شراب الحب، الذي يشعرهم بواقع الجسد، الذي مثل به النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين في قوله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (صحيح مسلم:2586)، ودون البلوغ إلى هذه المقامات حواجز ومسافات وأسوار، تتجاوز بالمعرفة، وتذلل بالتخلص من أمراض الكبر وحب الأثرة.

إن رياح الماديات العاصفة، ورعود الفتن القاصفة، وغرور الأهواء الزائفة، كل ذلك جنح بالناس نحو حب الذات، وتقديس الملذات، فلم يعد للآخر مكان في اعتبار الأكثرين، وإنما صار أغلب الهم تحصيل المنفعة الشخصية ولو على حساب الآخرين، دون مراعاة لأخوة، ولا اعتبار لوشيجة، فظهرت صور الأثرة البغيضة، ومن نظر أمامه وخلفه وعن يمينه وشماله رأى ذلك في حياة الناس وتعاملهم ومرافقهم، وإداراتهم، وطرقهم، ومستشفياتهم، ومحاكمهم، وفي كل مجالات تواصلهم ومصالحهم، وهذا الأمر لا يحتاج إلى دليل، لأنه ظاهر وجلي وواضح ولله در القائل: “وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل”.

إن المجتمع الإسلامي الأول الذي يمثل الذروة في المكارم، إنما بلغ ما بلغ لكونه مجتمعًا قام على الرحمة، قام على الإحساس بالآخر، وآثار ذلك واضحة في السير العطرة التي تحدثت عنهم، حتى إن القرآن الكريم ذكر هذه الحلية في خاتمة سورة الفتح، عند حديثه عن الصحابة، {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح من الآية:29]، هذه الآية هي خاتمة سورة الفتح، والسر في الختم: فكونها تأتي في خاتمة سورة الفتح يدل على أن جيل الفتح والنصر في كل زمان ومكان لا بد له من رحمة تسري بين جميع فئاته وطبقاته، {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} هذا هو سر النفح وسبب الفتح، ولما تخلى الجيل عن هذه الرحمة، التي تمثل اللحمة، أصبح في متناول الأعداء، لأن خلو أي مجتمع من الرحمة يعني التمزق والافتراق، وإذا وقع الافتراق سهل الاختراق.

إن نبينا صلى الله عليه وسلم عندما عرض علينا أسماءه ومنها نبي الرحمة، لم يكن يريد التعريف فقط، ولكنه كان يريد لفت الانتباه إلى هذا الاسم المبارك، بقصد ترسيخ معناه، حتى يكون كل منتسب إلى نبي الرحمة رحمة تمشي على الأرض، كلنا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودليل المحبة الأنصع ومسلكها الأمتع، الاقتداء والاتباع، قال منزل الكتاب سبحانه وتعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران:31]، فإذا تقرر عندنا الأمر، فإن نبينا هو نبي الرحمة كما سمى نفسه صلى الله عليه وسلم، وكما عاش ممثلاً لهذه الرحمة في أبهى صورها.. بل إن ربه جعله رحمة وجعل إرساله رحمة، فقال {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، والعالمين تعني الإنس والجن، وبناء على ذلك نتساءل -وحق لنا أن نتساءل-، هل نحن أوعية رحمة؟ هل نحن رحماء بيننا؟ هل عنوان صلاتنا هو الرحمة؟ لقد أمر الإسلام بالتراحم العام، وجعله من دلائل الإيمان الكامل، فالمسلم يلقى الناس قاطبة وفي قلبه لهم عطف مذخور، وبر مكنون، فهو يحن عليهم، ويخفف عنهم جهد ما يستطيع.

قال رسول الله صلى الله عليه «لن تؤمنوا حتى ترحموا»، قالوا :يارسول الله، كلنا رحيم، قال: «إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة العامة» (صحيح الترغيب:2253، حسن لغيره)، هنا يعطي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التوصيف الحقيقي للرحمة، ويجعل الرحمة الحقيقة رحمة تنبعث من المؤمن لتشمل الجميع دون استثناء، ودون اعتبار لفوارق، نعم فإن الرجل قد يهش لأصدقائه حين يلقاهم، وقد يرق لأولاده حين يراهم، بيد أن المفروض في المؤمن أن تكون دائرة رحمته أوسع، فهو يبدي بشاشته، ويظهر مودته ورحمته لعامة من يلقى، ولا يجعل رحمته حصرًا على أهله وأصحابه ومعارفه.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

محبكم وحافظ عهدكم وودكم: عمر بن أحمد القزابري

رابط المادة: http://iswy.co/e1524c

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى